المقريزي
223
إمتاع الأسماع
وكان لباسه الصوف ، وفراشه إهاب شاة ، ووسادته من أدم ، حشوها ليف ، فيأتي عليه الشهران والثلاثة فلا توقد في بيته نار لمصباح ، توفي ودرعه مرهونة ، ولم يترك صفراء ولا بيضاء ، هذا وقد عرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض ، ووطئت له البلاد ، ومنح الغنائم الكثيرة ، فقسمها حتى أنه فرق في يوم واحد ثلاثمائة ألف ، وأعطى جماعة كل رجل مائتين من الإبل ، وأعطى ما بين جبلين من الغنم ، وكان يأتيه السائل فيقول : والذي بعثني بالحق ما أمس في آل محمد صاع من شعير ولا من تمر ، وكان يقول : أجوع يوما وأشيع يوما ، فإذا جعت تضرعت ، إذا شبعت حمدت . وقد كان عيسى يتقلب في حياطة الله له ، ومدافعته عنه المكر والغوائل بحيث كان يمسي ويصبح آمنا ساكن النفس ، قال تعالى : [ وإذ كففت بني إسرائيل عنك ] ( 1 ) الآية . وكذلك نبينا عصمه الله فقال : [ والله يعصمك من الناس ] ( 2 ) ، فكان يبرز وحده في سواد الليل وبالأسحار إلى البقيع والأودية ، ومعه اليهود أعداؤه المجاهرون بعداوته في بلد واحد ، فلم يصلوا منه إلى أي شئ ، وهو يقتلهم ويسبي ذراريهم ونساءهم . دفع الله تعالى عنه كيد قريش وهو بمكة ، وأنبت على الغار له شجرة وأقام الحمام فعشش والعنكبوت فنسج على بابه ، وقد رفع الله عيسى إلى السماء ، ولنبينا صلى الله على وسلم من ذلك [ أعلى ] ( 3 ) مقام فإنه عرض عليه عند وفاته البقاء فاختار ما عند الله وقربه تعالى على البقاء في الدنيا ، فقبضه الله تعالى ورفع روحه ، ولو اختار البقاء ، لكان كعيسى والخضر وإلياس عند الله في سماواته ، وفي عالمه في أرضه ، لأن عيسى عليه السلام مقيم في السماء والخضر وإلياس يتجولان في السماوات والأرض على ما قيل . ومع هذا فإن جماعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم رفعوا كما رفع المسيح ، وذلك أعجب ،
--> ( 1 ) المائدة : 110 . ( 2 ) المائدة : 67 . ( 3 ) زيادة للسياق .